وصية الصحفي أنس الشريف قبل استشهاده في غزة

بقلوب يعتصرها الألم، ننشر وصية الصحفي الفلسطيني الشجاع أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة، الذي استشهد يوم 10 أغسطس 2025 في غارة جوية إسرائيلية استهدفت خيمة إعلامية قرب مستشفى الشفاء بمدينة غزة. الغارة أودت بحياة أربعة من زملائه في الجزيرة—محمد قريقع، إبراهيم زاهر، محمد نوفل، ومؤمن عليوة—إلى جانب الصحفي الحر محمد الخالدي. أكدت إسرائيل مسؤوليتها عن الغارة، مدعية أن الشريف كان مرتبطًا بحركة حماس ومتورطًا في أنشطة عسكرية، وهي ادعاءات نفاها هو وقناة الجزيرة مرارًا، واعتبرها مراقبون دوليون، مثل المقررة الأممية الخاصة بحرية التعبير، لا أساس لها وجزءًا من نمط ممنهج لتهديد الصحفيين. أثارت الحادثة إدانات دولية واسعة من منظمات مثل لجنة حماية الصحفيين، منظمة العفو الدولية، والأمم المتحدة، التي وصفت الهجوم بانتهاك خطير للقانون الإنساني الدولي واعتداء على حرية الصحافة. أنس، البالغ من العمر 28 عامًا وأب لطفلين، كان صوتًا ثابتًا يوثق معاناة شمال غزة على مدار 22 شهرًا، رغم خسارته الشخصية لوالده في غارة سابقة. فيما يلي نص وصيته التي كتبها في 6 أبريل 2025، والتي أوصى بنشرها بعد استشهاده.
هذه وصيتي ورسالتي الأخيرة.
إذا وصلتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل نجحت في اغتيالي وإسكات صوتي.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يعلم الله أنني بذلت كل جهدي وقوتي لأكون سندًا وصوتًا لأبناء شعبي، منذ أن فتحت عيني على الحياة في أزقة وحارات مخيم جباليا للاجئين. كنت أحلم أن يمد الله في عمري لأعود مع أهلي وأحبتي إلى بلدتنا الأصلية عسقلان المحتلة “المجدل”، لكن مشيئة الله كانت أسبق، وحكمه نافذ. عشت الألم بكل تفاصيله، وذقت مرارة الفقد والوجع مرات عديدة، ومع ذلك لم أتردد يومًا عن نقل الحقيقة كما هي، بلا تزوير أو تحريف، عسى أن يكون الله شاهدًا على من سكتوا، ومن قبلوا بقتلنا، ومن حاصروا أنفاسنا، ولم تحرك أشلاء أطفالنا ونسائنا في قلوبهم ساكنًا، ولم يوقفوا المذبحة التي يتعرض لها شعبنا منذ أكثر من عام ونصف.

أوصيكم بفلسطين، درة تاج المسلمين، ونبض قلب كل حر في هذا العالم.
أوصيكم بأهلها، وبأطفالها المظلومين الصغار، الذين لم يمهلهم العمر ليحلموا أو يعيشوا في أمان وسلام. سُحقت أجسادهم الطاهرة تحت آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ الإسرائيلية، فتمزقت أشلاؤهم وتناثرت على الجدران.
أوصيكم ألا تُسكتكم القيود، ولا تقعدكم الحدود. كونوا جسورًا نحو تحرير البلاد والعباد، حتى تشرق شمس الكرامة والحرية على أرضنا السليبة.
أوصيكم بأهلي خيرًا.
أوصيكم بقرة عيني، ابنتي الحبيبة شام، التي لم تسعفني الأيام لأراها تكبر كما كنت أحلم.
أوصيكم بابني الغالي صلاح، الذي تمنيت أن أكون له عونًا ورفيق درب حتى يشتد عوده، فيحمل عني الهم ويكمل الرسالة.
أوصيكم بوالدتي الحبيبة، التي ببركة دعائها وصلت إلى ما وصلت إليه. كانت دعواتها حصني ونورها طريقي. أدعو الله أن يربط على قلبها ويجزيها عني خير الجزاء.
أوصيكم برفيقة العمر، زوجتي الحبيبة أم صلاح (بيان)، التي فرقتنا الحرب لأيام وشهور طويلة، لكنها بقيت على العهد، ثابتة كجذع زيتونة لا ينحني، صابرة محتسبة، حملت الأمانة في غيابي بكل قوة وإيمان.
أوصيكم أن تلتفوا حولهم، وأن تكونوا لهم سندًا بعد الله عز وجل.
إن مت، فإنني أموت ثابتًا على المبدأ. أشهد الله أني راضٍ بقضائه، مؤمن بلقائه، ومتيقن أن ما عند الله خير وأبقى.
اللهم تقبلني في الشهداء، واغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، واجعل دمي نورًا يضيء درب الحرية لشعبي وأهلي.
سامحوني إن قصرت، وادعوا لي بالرحمة، فإني مضيت على العهد، ولم أغير ولم أبدل.
لا تنسوا غزة…
ولا تنسوني من صالح دعائكم بالمغفرة والقبول.
أنس جمال الشريف
06.04.2025
هذا ما أوصى بنشره الحبيب الغالي أنس عند استشهاده.